استيقظت صبيحة هذا اليوم يغلبني ألم شديد ولم أنل قسطا كافيا من النوم ليلا

وكان لدي يوم مزرعي وفي طريق العودة منها في آخر النهار كنت قد بلغت حدي من الارهاق وأرغب بشكل ملح في النوم
وكالمعتاد توالت المواصلات حتى كان آخر ميكروباص والذي أقضي به المدة الأطول وكان التباع يصيح على غير عادته
( برج ... برج ... برج )
وركبت بجوار النافذة كعادتي وكانت المقاعقد ضيقة لدرجة أنني احتاج للجلوس على جنب لأتمكن من تمديد قدمي ّ
فاخذت مقعدين لي لكي لايضايقني احد خاصة أولئك الذين يتمددون بالحرارة ويمتازون بالبرود
المهم كان لي ماأردت وجلست بجواري على النفس الصف فتاة يعلو وجهها الكدر والضيق
واكتمل العدد وأتى رجل يريد الركوب مستعجلا في المكان الفارغ فأخبره السائق بأنني أخذت كرسيين في الميكروباص
فأخذ يتمتم ويقول
(( بنات اخر زمن ... انتي فاكره نفسك في السينما بتحجزي الكراسي ... لاتكوني فاكره نفسك مارلين مونرو ولاحاجه ))
وأنا اكظم غيظي وأنظر باتجاه النافذة فتحول ناحية النافذة واكمل الموشح والجميل أن الجميع يأخذون دور المتفرج ولااحد يشترك في الحوار ولاالسائق نفسه

وكلما زاد صمتي زادت كلماته حدة ....إلى أن قال
(انتي باين عليكي مش متربية أنا بكلمك ))
وحين دخل الموضوع في التربية تبسمت وقلت
(( حضرتك مش بتتكلم حضرتك شغال شتيمه من أول ماشفتني وحضرتك بجد عندك حق أنا فعلا مش انا اهلي ماربونيش لما حد يكلمني بالطريقة دي ارد عليه ازاي وكمان ربوني اني اسكت لما واحد كبير في السن يتكلم مهما كان بيقول وللأسف مش قادره ارد ))
وكأنني وضعت بنزينا على حريق وازاد الاشتعال فأغلقت النافذة وأمرت السائق أن ينهي هذا المسلسل وفعل
وسار الميكروباص وأملت رأسي على النافذة ووضعت (الهيدفون ) في أذناي لأستمع للاذاعه وأغلقت عيني فقد كنت مرهقة لحد كبير
وحين أتي وقت دفع الأجرة اخرجت نقودي وأعطيتها للفتاة بجواري
فوجدت عيناها دامعتين ... ولكني دائما أؤثر السلامة فلاأتحدث مع من لا اعلم ومنعا للإحراج التزمت الصمت
فإذا بها تبكي بصوت أسمعني وأسمع الجميع وتوجهت للنافذة وفتحتها واخذت تقول
(( يارب ...يارب ... أنا بكلمك مش بترد ليه
يارب .. لو كنت عملت حاجه في حياتي ولاعملت ذنب كبير أنت برده رحمن رحيم ورحمتك أكبر من جبروتك ... يارب مش انت بتقول ادعوني طيب فين الاستجابه ..يارب أنا ضعيفه ومكسورة الجناج يارب .))
واخذت تردد تلك الكلمات بحرقة شديدة ... وأنا نقطة ضعفي البكاء ولاأحب أن أرى باكيا ... وخاصة ان كانت فتاه فبكيت رغما عني
فجذبتها نحوي وأخذتها تحت جناجي فوجدتها استجابت وكأنها كانت تنتظر أن يضمها أحد
فمسحت على رأسها وقلت لها
(( مش دا الادب في الخطاب مع الله ابدا مهما كان ألمك ومهما كانت شكوتك ... وفيه أدعيه كتير وطرق كتير تقربي بيها أكثر واختاري ساعات اجابه وحاولي تقربي من ربنا في كل حاجه
دوري في نفسك شوفي ايه ممكن بتعمليه بيحجب دعوتك))
فقالت
(( اصل اللي ايده في الميه مش زي اللي ايده في النار ))
فقلت لها :
(ومين فينا ماتظلمش ومااتأذاش والدنيا واهلها جاروا عليه ))
وقلت لها :
(بامكانك اعتباري اختا ان أردت اخباري وسانصحك ان اردت ))
فقالت
((انا موظفه في ادارة مستشفى وبشتغل في وقت الدوام الرسمي وطالعه عيني وعندي تلات بنات وولد وأبوهم بيصبحني بعلقه ويمسيني بعلقه
وياخد مني المرتب اول الشهر وماعرفش بيصرفه فين ولما احاول اسأله يضربني ويقولي مالكيش دعوه واتفصل من شغله بعد مااتصاب في رجله وبقى بيمشي على كرسي ودلوقت انا مش قادره عليه وعلى ولاده وتعبت ))
بصراحة أحسست بان هناك حلقة مفقودة في حكايتها ولكن لم أضع يدي عليها وكان من الواضح لي أن بيدها حقيبة سفر ولااولاد معها
فانطلق مني سؤال بعفويه (( وهيا فيه بنت أصول تسيب بيتها وجوزها بعد مايكون محتاج لها ولاهتمامها ))
فقالت
(( والله ربنا هده زي ماطلع البلى عليا العشر سنين اللي فاتوا ))
فقلت لها ((طيب فين مشكلتك دلوقت )
فقالت
(( عايزاه يطلقني وهوا مش عايز وانا رايحه لمحامي ارفع عليه قضيه خلع ومش عايزه منه حاجه ))
ولاتزال الأمور عندي وفي ذهني مشتتة حتى أردفت قائلة
(( انا شابه وزي الفل والدنيا كلها تتمنى ضفري انا بس أشاور ايه اللي يقبرني معاه بقى ))
وحين عرفت السبب بطل عجبي واحسست بعدم الراحة ولكن لاازل لاأضع يدي على الوضع كاملا
وهي مستمرة في البكاء فقلت لها هل تريدين نصيحة من اخت في الله ؟؟
فقالت (( ياريت ))
قلت لها
(( انت صبرت واتحملتي اذاه كل دا لحد مابقى عندك تلات بنات وولد ليه ؟؟؟ ))
فقالت :
(( عشان الولاد طبعا ))
فقلت :
(( يعني مش عشانه ولاعشانك فيه بينكم اربع ولاد دول مصيرهم ايه ؟؟ مع اب عاجز وهوا دلوقت في موقف ضعف وانتي في موقف قوه ولما انتي تسيبيه في الوضع دا أولا نظرة اولادك ليكي هاتكون ازاي لأمهم اللي سابت ابوهم لما كان محتاجلها وثانيا هاتفضلي كده ولاهاتتجوزي تاني ))
فاجابت
(( هاشوف نفسي بقى ))
فقلت لها :
(( ومين هايخدك انت واولادك ولو من غيرهم مين اللي هايربيهم العاجز؟؟ وبعدين مين اللي هايأمن يتجوزك بعد مارميتي ولادك وجوزك وان كان فيه اللي هايقبل بالوضع دا فبصراحه يبقى راجل مش مظبوط ))
وفجأة تدخل النسوة في الميكروباص وكان أشبه بالهجوم علي ّ
فقالت احداهن :
((مالك ياختي بتحامي للرجاله دول عايزين ضرب النار ياختي ))
وقالت أخرى
(( ياختي سيبيه وليكي ربنا هاتفني شبابك وبعد كده لاالعيال هاتحس بيكي ولاحد خالص ومش بعيد يقوم على رجليه ويطلقك بعد ماتخدميه ))
وبالطبع الرجال معنا يزمجرون في صمت وينظرون شزرا ويتابعون الحديث
واذا بتلك الفتاة تلمع عيناها وارتسمت ابتسامة الرضا وكأن الحوار مال الى ماتريده نفسها وكانت تبحث عن من يقر عليها فعلتها ونيتها
فالتزمت الصمت ووضعت السماعات في أذني واجري على الله
فوجهت لي احداهن الخطاب فقالت (( وانت بقى جوزك شكله مهنيكي بس ياختي مش كل الرجاله واحد ))
فأخبرتها أنني لست متزوجة .... فقالت
(( طب اوعي تغلطي الغلطه دي انا قلت برده شكل عضمك طري ))
لم التفت الى قولها وجلست أسمتع الى ماكنت أسمعه وداخلي غير مقتنع ولكن هي الحياة نرى فيها من كل الأشكال
وفي منتصف الطريق نزل جمع النسوة من الميكروباص وأيضا من كانت بجواري تجلس
وبمجرد نزولهن هاج جمع الرجال بمن فيهم السائق وانقلب الحديث من غدر الرجال الى غدر النساء ولم أسمع كلمة حق ابدا واكاد اجزم انهم متزوجون جميعا
وتساءلت في نفسي ماذا لو كنت مكانها اكنت سأذيع امري هكذا
أم أنها ماأرادت سوى تفريغ مافي نفسها لجمع ستفارقه ولن يكون بعده لقاء
أم أنني لم أحسن فهمها واستيعاب مشكلتها
أم أنه لايشعر بالنار الا من تحرقه
وأشرت للسائق ليكون نزولي للمكان الذي سأستقل منه (التك تك ) للوصول الى منزلي بسلام وكانت رأسي تكاد تنفجر من الحديث ومن اليوم المرهق
وما ان تحرك التك تك حتى بدأ السائق بتشغيل الاغاني وقلت في نفسي
(( هيا ناقصه صداع ))
وكنت انتظر ماهو ردئ كالعاده ولكن ظني خاب
فقد كانت اغنية جميلة لفيروز من اندلسياتها تقول
يامن حوى ورد الرياض بخده ...
وحاكى قضيب الخيزران بقده
دع عنك ذا السيف الذي جردته ....
عيناك أمضى من مضارب حده
كل السيوف قواطع ان جردت ...
وحسام لحظك قاطع في غمده
ان شئت تقتلني فانت محكم ...
من ذا يطالب سيدا في عبده
ولم أكن أرغب أن تكون المسافه قصيره وأثار اعجابي جميل ذوقه
ولايزال المجتمع يجمع هؤلاء وهؤلاء
والى لقاء جديد ... انا والميكروباص
تحية محملة بروائح أزهار الليمون
على قلوبكم الجميلة
رائع قلمك، جعلني لم أشعر بنفسي إلا وأنا أتنقل بين كراسي الميكروباص استمع معك لحكاوي الركاب، وجعلني أيضاً استمتع بضرب هذا الرجل الصفيق علي قفاه بشدة والغريب أنه لم يراني وكأني أرتدي طاقية الاخفاء في الفيلم الشهير، وبعد ذلك استمعت لتلك المرأة لم تراني أيضاً عندما جلست بينكما، حقيقة لم أتعاطف معها برغم وجود بعض العذر في شكواها، ثم أيضاً استمتعت بالذوق الجيد لسائق التوك التوك ولكني كنت أسعد حظاً منك فقد انتهزت فرصة الحالة اللامرئية التي أعيشها وأكملت معه الطريق حتي نهاية الأغنية، ثم حدثت نفسي قائلاً (ياااااه إنت إتأخرت أوي إمتي هاتروح يا احمد) ثم فوجئت بأني لم أغادر مكاني وأن كل هذا لم يكن إلا بعض العقل قد غادرني قليلاً ثم استطعت استرداده مرة أخري (سلامة عقلك ياخويا-هذا تعليق داخلي مني علي نفسي ما تشغليش بالك)،،،وسلامو عليكو
ردحذف