خصوصيتنا بين الدين والأعراف

خصوصياتنا بين الدين والأعراف
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام
أما بعد,,
جاءت التشريعات السماوية وأتمها الدين الاسلامي بكل مافيه احترام خصوصيات الفرد المسلم والحفاظ على حرمتة بداية مماهو أغلظ ماله ودمه وعرضه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :" المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله ، كلّ المسلم على المسلم حرام :عرضه وماله ودمه، التقوى هاهنا  وأشار لقلبه بحسب إمرء من الشرّ أن يحتقر أخاه المسلم" رواه الترمذي . وكذلك لم يخل تشريعنا السمح من الحفاظ على ماهو أبسط من المال والدم والعرض وله بالمسلم خصوصية وشرع آداباً تحدد تعاملاتنا في منازلنا وعملنا وجميع أمرنا بما يكفل حفظ الحقوق للمتعاملين وكذلك نشر الأدب والخلق القرآني بين أفراد المسلمين بما يصون خصوصياته
ولربما أكون أطلت في حديثي هذا لأصل واياكم الى نقطة مهمة جداً الكثير منا أغفلها في تعامله بل لاأبالغ حين أقول أن اعرافنا الوضعية قضت عليها بشكل شبه نهائي ودعوني أبدأ بأداب الدخول الاستئذان بين المسلمين ولابد قرأنا جميعا في سورة النور قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ¯ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ¯لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهي الآية التي وردت عقب آية تحريم الزنا والقرب منه ولعل لها رابطا بما تلاها فمراعاة حرمة البيوت وعدم الاطلاع على عورات البيوت باتباع آداب الزياة التي يوضحها سبحانه وتعالى تعصم حتى من حدوث مقدمات أو موجبات الزنا . وبالنسبة للأيات فقد وجه الله تعالى خطابه لأهل الايمان أن لايدخلوا بيوتا وقد جاءت هنا في صيغة النكرة لتفيد عموم البيت أي كل مكان ندخله وتبدأ الآداب بطلب إذن الدخول في قوله تعالى ((حتى تستأنسوا )) وهي هنا بمعنى العلم أي أن نعلم بقبول أهل البيت لنا بالدخول أو الاعلام لهم بقدومنا ليأذنوا لنا أو ادخال الأنس عليهم ببيان هويتنا والتعريف بأنفسنا لنزيل وحشة أو رهبة من الطارق
وكل المعاني تصب في نفس الهدف
وروي عن النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا طرق بابا حمد الله ، وسبحه ، وكبره وفي ذلك طمأنة للنفوس وطرد للخوف وللشيطان

الحكمة من الاستئذان

ربما في زمننا هذا غفل البعض عن الحكمة من الاستئذان والذي شرع بشكل خاص عند التزاور او دخول البيوت ولربما اصبح الامر اليوم متحكم فيه فأصبحت هذه الزيارات بمواعيد وبإخطار مسبق ليكون الجميع على استعداد ولكن حتى في نطاق التزاور الأسري أو حتى في نطاق العمل والمصالح وأي مكان ندخل فيه على أهله ولو كان متاحا للجميع الدخول اليه والخروج منه إلا أن المسلم ينبغي أن لايضع حدودا لتطبيق أخلاقيات ومنهج الدين الاسلامي والذي هو صالح لكل موقف وفي كل حال ولو علمنا الحكمة من الاستئذان لااتضح لنا أنه شرع من أجل النظر وأوضحها بالقول بأن العين لو دخلت فقد دخل صاحبها وأزيد توضيحا لأقول حين ندخل على مكان دون استئذان فقد نباغت أهل الدار وربما وقعت منا العين على عوراتهم ومالايرغبون في أن نراه وقد يكون المكان غير مرتب أو بحاجة لاعداد أو قد يكون فيه الجالس على وضع لانرغب في رؤيته ولايرغب هو في ان نراه وربما يكون في مأكل أو مشرب ولايرغب في اطلاعنا عليه والكثير الكثير مما ينبغي ان نحترم فيه خصوصية الأخر ولو حتى في أماكن عامة كما أشرت فالمسلم هو المسلم في كل مكان ولا أقل من أن نلقي السلام ونستأذن وفي حالنا اليوم نستخدم الأجراس وطرق الأبواب كوسيلة لطلب الاذن ثم نسلم على أصحاب المكان

كيفية الاستئذان

لو بدأنا بالاستئذان على اهل بيت ومكان لانعرفه ولايعرفنا أو حتى لو توفرت المعرفة فيراعى في ذلك الأدب النبوي فقيل الاستئذان ثلاثا مرة تسمع اهل البيت ومرة يستعدون لاستقبالك ومرة يسمحون لك بالدخول وقد أوضح الفقهاء بأن الطارق يطرق ثلاثا بين كل طرقة وأخرى مقدار صلاة أربع ركعات والحكمة منها أن يتهيأ صاحب الدار للرد ان كان يصلي أو كان مشغولا بأمر أو في مكان بعيد في داره وهكذا ويستأذن الطارق ثلاثا فإن لم يؤذن له رجع
وبالنسبة للطارق فلايقف في واجهة الباب حتى اذا فتح صاحب الدار لاتقع عينه على امرأة أو عورة من عورات الدار فليقف على الجانب أو ليطرق وليدر ظهره قليلا لكي لايكشف الدار فور خروج صاحبها ليأذن له وليس الاستئذان لفرد دون أخر فهو للغريب ولأهل البيت فلايعني انك من أهل الدار أن لاتستأذن عند الدخول ، فَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : ((  يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إِنِّي خَادِمُهَا ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا )) .
هذا ولم يشرع الاستئذان فقط للبيوت والدور ولكن أيضا له أداب حتى بين أهل البيت نفسهم في داخل البيت وورد في سورة النور أيضا أداب الاستئذان لأهل البيت قال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)


خاتمة
ربما غفل الكثير منا عن هذا الأدب وهو الاستئذان وربما لم يكن غرضي الأساسي من مقالتي هذه هي التوعية بما قد يكون بالضرورة معلوما لنا طبقناه أم طغت عاداتنا وأعراف وضعناها وحالت دون الالتزام به ولكن حين نربي اطفالنا وصغارنا على أن هناك خصوصية وهناك حرمة لعورات المسلم بين أهله وبينه وبين من يجاور ويعامل فسيكون أثر ذلك واضحا في سلوكه العام الذي لم يستقر به احترام مايخص أخيه المسلم فكثيرا مانرى التعدي بالقول أو الفعل أو حتى بالنظر على ماليس لنا ورغبة البعض الفضولية في التطلع لكل مايحدث حوله ولكل ماهو خلف باب مغلق متجاهلا الحالة النفسية أو رغبة صاحب هذا المجهول والمستور في عدم كشفه أو بيانه ووقوع عين عليه ولم نتعود في مجتمعنا سياسة الرفض أو قول ((لا))
فهي فورا موجبة لقطع العلاقة والمودة وهي صدقا لاتكون الا ممن لايقدر معنى الخصوصية ولايحترمها لمن يعامل ومهما كانت درجة القرب فحين يدق الباب يطرق الطارق بعنف كأنه يريد اقتحام المنزل وليس من المهم انزعج الساكن أم لا ويستحي أهل البيت من رفض طلب بالزيارة لعدم مناسبة ظروفهم وخوفا من غضب الطرف الآخر فلو سادت بيننا سلوكيات ومنهج السنة والقرآن لما كان من تخوف من طرف ولاغضب من الاخر مما يضطرنا أحيانا للتجمل أو الكذب في بعض مواضع وحين يتصل بك أحدهم هاتفيا ولارغبة لك في الرد لأي ظرف فإما أن ترد مضطرا متألما أو أن تكذب فيخبره احدهم انك غير موجود ومامن جرأة لنقول أننا نعتذر فلانملك الرد أو القدرة على الاجابة لأن النتيجة أنه سيكون آخر اتصال بل تعدى الأمر الى مكاتبنا في العمل وليس أبدا يعني كونها مفتوحة الأبواب وليست منازل أن لانطرق الباب تنبيها وسلاما على أهل المكان وأن نلقي السلام لتنشرح النفوس وليتهيأ من بالداخل لاستقبالنا مهما كان وحين نرى موضع اختلاف أو اشتباك وسباب بين شخصين أو اكثر حتى يجتمع المارة جميعا وكأنها دار لعرض أفلام سينيمائية مماقد يحرج أطراف الجدال فتزيد المعركة ليثبت كل طرف انه المنتصر أمام الحشود والمارة فلماذا لايكون عبورنا عادي أو تدخلنا للصلح وفض النزاع ولماذا نسلط الآذان لنسمع شجار الجيران واشتباك الأهل لماذا لانصم اذننا طواعية وسترا وحفظا لحقوق جار وأخ وزميل وحفظا لما يخصه أن يهدر حتى لو كان لنا
الاستئذان ليس ادب حفظ النظر وحسب
ولاحفظ السمع وحسب
ولاحفظ البيوت والحرمات وحسب
بل حفظ للنفس وتأديب لها ونشر لمبدأ اسلامي لانطبقه في اطار جاء فيه وحسب
بل نطبق حكمة جاء بها وعليها دل فيكون منهج حياة غير مخصص بموقف ومكان

تحياتي للجميع ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق