
تبدأ الحكاية في قرية صغيرة من قرى مصر الجميلة وفي منزل من افقر منازل القرية تقطن عائلة على أبسط الحال والدٌ يملك فدانين من الأرض وله من الأبناء فتاة وحيدة كانت على قدر من الجمال يدهش عيناً تراها ولاتملك إلا أن تقول سبحان الله ووالدة بعد وضعها انتقلت للرفيق الأعلى تعيش بطلة حكايتنا (وداد) مع والدها ففي الصباح يذهبان للعمل باكرا في الأرض ليتمكنا من المعيشة
وبينما هي في ذات يوم ترافق والدها حتى رآها أحد شباب القرية سحرت منه اللُب وجاء والدها طالبا القُرب وكان ذلك الشاب ( عبد الحميد ) يعلم ضيق اليد لمحبوبته ووالدها وكذلك كان حاله أيضاً
وفي يوم العيد تم عقد القران في حفل بسيط واجتماع من أهل القرية وبكل بساطة وكان المهر هو الرضا وكان جهازها ماتيسر وكانت تحلم كثيرا بيوم زفافها وانتقالها لبيت الزوج وطلبت منه ان يُحضر لها تفاحة حمراء فكم رسمته في خيالها وتذوقته في أحلامها وكانت المنية أن تناله حقيقة فكان لها ماأرادت
مرت الأيام والأشهر على وداد وعبد الحميد ورحلة العمر بكل شقاءها وعناءها وضيق ذات اليد حتى جاء ولي العهد وكانت فرحتهما غامرة به ولكن يشوبها الحزن والألم على مصيره في أسرة بالكاد تعيش وبالكاد تجد قوت يومها
كانت وداد ربة منزل مدبرة وحكيمه وتعلم كيف تخترعها وسائل كسب المال فكان لهما بقرتان وبعض الطيور فكان اللبن الذي تصنع منه الجبن والزبد وتبيعه لمن يريد وكذلك الطيور التي كانت تمدها بالبيض يوميا للاكل والبيع ولكن كان كل الخير موجها للبيع والاستفادة من النقود لتسيير الحياة وكان الزوج كثيرا الانفاق وكثير الصرف على غير مايفترض في وضعه وضيق حاله وكانت الزوجة تتعجب حقا أين وفيم ينفق كل ذلك المال الذي يقطعانه من لحمهما الحي لتسير مركب الحياة
وذات يوم أعدت له عشاءا جميلا وصنعت له كوبا من الشاي الذي يحبه بعد الطعام وتجاذبت معه اطراف الحديث بهدوءها الجميل فسالت عن مصير المال الذي ينفقه الزوج ولاترى وجه انفاقه وهنا كانت الصدمة بأول شجار يدب بينهما وعلى صوت الزوج ((هوا انتي هاتحاسبيني انت تعملي شغلك وبس )) فما كان من المسكينة الا أن ذهلت من تصرفه ورد فعله العنيف
وماكان منها إلا انهاء الحوار وبمرور أيام تكرر النقاش مرة أخرى لتوفير مصاريف للولاده فبدأ بضربها ضربا مبرحا لايخلو من كسر ضلوع احيانا
وجروح في الوجه والجسم وبدون أي داعٍ...
وفي يوم من الأيام بلغ به أن اشتد في ضربها وطردها من المنزل في جنح الظلام وكلما اغلق الباب عليها فتحته ودخلت فيضربها ويخرجها مرة أخرى وكانت لهم جاره وكانت لها ابنة في الثانويه العامه تسمى حنان والتي رأت المنظر عبر النافذة وهرعت لتعطيها مايسترها في الطريق وحاولت أن تهدئ من روعها وطلبت منها ان تتصل بأهلها ليكون لهم رد فعل على ماحدث ... فقالت الزوجه لها والكدمات ماتركت جزءا من وجهها الجميل الا وطغت عليه ((انتي فكرك ايه دا طيب وقلبه زي اللبن الحليب بس هوا عصبي شويه )) فتعجبت الجارة من كلامها ومن دفاعها عنه فلم تكن تريد أن تشوه صورة الزوج في عين الجارة ....
ومرت الأيام ووداد لاتريد ان تخبر والدها بما حدث خوفا على زوجها وطلبت من الجارة ان تسعى للصلح لكي يردها وبالفعل حدث
وبعد مداولات جاء عبد الحميد لاصطحاب زوجته وداد ورجعت المياه لمجاريها ...
ووضعت الزوجه طفتها الأولى بحمد الله ومرت الأيام والحال هو الحال يخرج عبد الحميد من الصباح الباكر لأرض يعمل بها ويعود مساءا لتناول الطعام ثم الخروج ولايعود الا في وقت متاخر من المساء وعن طريق الصدفة اكتشفت وداد انه مُدمن وكانت الصدمة أقوى من تحملها وفقدت الوعي واستنجد الزوج بالجارة لعمل الازم ...
وفي صمت وألم تقبلت الوضع وكلما حاولت الاصلاح تلقت منه مالايحمد عقباه من ضرب مبرح واحيانا كان لابد من تدخل الجيران لفض الاشتباك
وظلت كما هي تمر بها الأيام وهي على ماهي عليه صابرة مدبرة وتحاول أن تعيش ...
كان لها ابريق صغير لايعلم احد مكانه كانت قد وضعته في المطبخ وكلما باعت بيضة او قطعه جبن وضعت به ثمنها وكانت تستعد لكل موسم او عيد فتجهز له المبلغ الذي يسد الحاجة ولايكشف المستور وبالتاكيد بعيدا عن علم الزوج وبعيدا عن طائلة يديه لكي لايكون الهدر فيها
وانجبت وداد من أخينا عبد الحميد سته أبناء ثلاث ذكور وثلاث اناث
والحال كما هو وتحاول وداد ان تدخر وان تفعل المستحيل ليكون كل امر على مايرام وبين الحين والاخر كانت تشعر بدوار شديد ولكنها تتحامل وتصمت وتحاول أن تدخر مايمكنها من الذهاب للطبيب وكلما يحين الميعاد
تفضل أن تصرف المال على وجه اخر تحضر لأحد الابناء كساءا أو لزوجها أو تدخر غرضا لجهاز بناتها الثلاث ورغم القلة كانت هناك بركه وكانت شديدة الدهاء والحرفة في كيف تكسب المال بكل الطرق على قدر الاستطاعه وبين الحين والاخر يراودها حلمها الأول بتفاحة حمراء وتجلس في لحظات العزلة مع نفسها واحيانا بعد معركة مؤلمة يكال لها فيها الضرب تبكي وتحلم بتفاحة حمراء تقطعها بسكين مفضضة وتشم رائحتها الزكية وتفيق من حلمها على واقعها لتكمل مسيرتها
كانت القرية كلها تضرب المثل باولادها ونظافتهم وجمالهم واجتهادهم في مذاكرتهم وقد فتح الله على عبد الحميد ببقالة صغيرة يبيع فيها لهالي القرية مايحتاجون اليه وماأسرعها الأيام تمر وكلما امتلاء ابريق وداد كانت له اوجه صرف متعدده وياللعجب كيف ان ذلك المجهود المتواضع تمكنت منه تلك الزوجة من أن تكفي اولادها وان تجعل منهم أعلاما كل في مكانه ومع الزيجة الاخيرة لأصغر بناتها وبعد ان سلمتها لزوجها
سقطت مغشيا عليها وبدون أي سبب فاستدعى الجيران الطبيب وعبد الحميد في سكراته لايدري مايحيط به
وامر الطبيب أن تنقل للمشفى في القريب العاجل الأمر الذي عارضه الزوج بشده لقلة ذات اليد وعدم القدرة على تحمل أعباء العلاج
فتكفل أهل القرية بجمع المال الازم لعلاجها وبالفعل ذهبت للمستشفى وكانت ترافقها دائما أختنا حنان ابنة الجارة تزورها يوميا بالتبادل مع أبناءها ولم تكن وداد تعلم حقيقة مرضها أو هكذا توهمنا فقد أخبر الأطباء أن المرض الخبيث قد تمكن من جسدها كله وبطريقة عجيبة وكانت بدايته دوار لم تتنبه المسكينة لها
وكلما تم تعليق الادوية الكيميائية لها كانت تصرخ من شدة الألم وكل من ينظر لذلك الوجه الجميل البرئ وسقوط الشعر الحريري المسترسل من رأسها يشعر برغبة في البكاء ولكن كان الجميع يكتم العبرات حتى لاتشعر ولكي تموت بسلام وهدوء
وذات يوم مرت عليها حنان وكانت تجلس بجوارها تقرا القران لها وتونسها بالحديث فسألت وداد وقالت : ياحنان ماهذا المحلول الذي يعلق لي
فاجابت حنان انها محاليل مغذية لأن جسدك يفتقد للفيتامينات ... فما كان من وداد إلا أن ابتسمت ابتسامة ليس لها الا فعل السكين في القلب وكان عينها كانت تقول لحنان أنت تكذبين ...
فأردفت وداد قائلة : إذن ياحنان متى الموعد ...
فسألت حنان : أي موعد تقصدين ...
فقالت بهدوء : متى ساغادر ذلك العالم ... أقريب أم بعيد ياحنان ؟؟؟
وماكان من الجارة إلا أن فاضت بدموع كالسيل كانت قد كتمتها أسابيع أن لاتراها وداد وتشعر ولكنها كانت عاليه الحس
وكانت بناتها شديدات البر بها والحب لها يعلمن قدرها وكم عانت من اجلهم وفي يوم ذهبت أليها حنان كالعادة لتزورها وتتسامر معها
فهمست لها في أذنها بحديث لم يعلمه الحضور ... وكانت تخبر حنان بمكان ابريقها الذي تدخر فيه النقود
وقالت لها به ثمن تفاحة حمراء وأريد سكينا مفضضه
فلبت حنان طلبها واحضرت لها تفاحة حمراء وسكينا مفضضة
فجلست وداد وكأنها أميرة في قصرها وامسكت بالسكين بكل رقة وسرور ارتسم على وجهها الذي رسم عليه الزمان أبشع لوحاته وأقسى تضاريسه
لتقسمها الى أرباع ووضعت السكين جانبا وتناولت تفاحتها الحمراء
وماان انتهت حتى طلبت من حنان ان تساندها لتتوضأ وتصلي وماان توجهت للقبلة حتى سقطت مغشيا عليها ولكن بلا عودة هذه المره ... ولكن بلاقيام ...
سادت الصرخات ولم ينفع الطبيب وتم استدعاء الزوج لمراسم الوفاة وبعد أن اودعوها التراب وبكى الأحباب ....
لم يكن الزوج هناك مع المشيعين وطال البحث عنه بالعيون
واذا من بعيد برجلين يحملانه فلم يقوى على الحراك وصوت انين بكاءه يهز المقابر من شدته وكأنه زئير ولكن ليس كزيره حين كان يضربها بل زئير منكسر بل بكاء طفل فقد أمه وكانت له الأهل ... فكان كل من ينظر اليه يعلم انها ماتت ... ويتمنى كل يوم أن تعود ولكن فقد رافقت الدود ...
هذه زوجة كانت سقف طموحها لمن حولها يناطح السحاب وسقف طموحها لذاتها تفاحة حمراء ...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق